مصعب حسين الأحرار- كاتب وناشط سوداني
كثيراً ما مررنا بسورة القلمْ، والتي فيها أول ما أنزله الله على نبيّه عليه الصلاة والسلام، هذه الآيةُ الأولى منها فيها دلالات فسيحة جداً تفتح الباب لرؤية الإسلام بمعناه الشامل الذي يستوعب خصائص الذات الإنسان، وينفتح بهذه الخصائص لآفاق الإنسانية وعالمها الإجتماعي.
فما هي التأسيسات التي أسستها هذه الآية، وما هي المعالم التي دلّت عليها الإنسان وما هي الآفاق التي تفتحها للحضارة الإنسانية، وما هي الصبغة التي تريد أن تصبغ بها الحضارة ؟
إن هذه الآية فيها مدلولات كبيرة أريد أن أتوقف مع عنصرين أساسيين :
١- إقرأ : هو فعل أمر للنبي عليه الصلاة والسلام ومن بعده من الناس. وهو أول ما نزل مما يدل على أنّ القراءة والمعرفة هي اول لبنة تنبني عليها الحياة الإسلامية ونسيجها من العبادات والتشريعات. فقيامُ الدين وفهم مضامينه والقيامُ بمقتضياته لا يتحقق لأمةٍ جاهلة لا تقرأ. وأس مشاكل الأمة اليوم كامنةٌ في جهل ابناءها وانشغالهم عن المعرفة.
هذا العنصر الذي من خلاله تستأنف الإنسانية مسار حضارتها في مجال التقدم وتحقيق اعلى الكفاءات في خدمة نفسها وتحقيق اعلى درجات الترقي في السلوك التقني الآلي الخدمي، كذلك لهذا العنصر ( إقرأ ) أبعاده الروحية في الذات وهو ما أشار له النص بعدها مباشرة إكمالاً لهذه الحلقة التي تمثّل رؤية الإسلام بالنسبة للإنسان وللكون فجاءت ( بإسم ربّك ).
إن القصور في هذه الهيئة الآلية المستمرة ( هيئة القراءة ) هو أول مفاتيح الجهل وهو الثغرة الأولى التي من خلالها يتسرب ركود المجتمع وغفلته وانشغاله بادنى مستويات الوعي، وكذلك فقدانه لمهمة الإستخلاف والتي من أجلها سخّر الله له ما في الأرض جميعاً منه.
٢- بأسم ربّك : فالقراءة بكل إسم غير الله مبتورة من آفاقها، مجذوذةٌ من معناها الروحي، فبغير إسم الله يتحوّل العلم لمجرد نمط علماني مادي لا جوهر له ولا مضمون. وبغير إسم الله يخرج العلم كما هو اليوم مجتمعاً من البيروقراطيين الذين لا شغل لهم سوى الإنتاج والإستهلاك على حساب الضعفاء.
﴿أَلَم تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ العِمادِ الَّتي لَم يُخلَق مِثلُها فِي البِلادِ﴾ [الفجر: ٦-٨]
إن الرّوح المنطوية على الإسلام هي البساط الأوحد الذي يمكنه أن يعطي لكل تقدم حجمه ووزنه في حياة البشرية، فهو البساطُ الممهّد الذي لا يجافي حركة التطور ولا يتركها تتنامى بهيئة تبتلع خصائص الإنسان التي فُطر عليها، وكثيراً ما يمضي الإنسان مغروراً بما ناله من جديد في المعرفة يمنحه غشاوة تغطي عليه ماورائيات العالم المشهود فينفك عن أواصر الغيب تائهاً في الدنيا يدوس على الفطرة والكرامة والأخلاق، وكم من الأمم من أغشاها التطور في العمران أو العلو في المُلك دراجات استدعت تدخل السماء بالصواعق والصيحات إهلاكاً أو إيقاظاً للضمير. فالله تعالى حطّم الحضارات العاتية واورد مصارعها وحياً يتنزل حتى يستدرك الناسُ أن التطور لا ينبغي أن يأخذ من الإنسان مأخذاً يغطي عليه عالم الغيب، بل لابد من معرفة محدودية الوجود وادواته مهما بلغت ولا يتمّ ذلك إلا بمصاحبة الوحي المتنزل هدايةً وترشيداً.
وهذا يدعونا أن نسأل سؤالاً جوهرياً مرتبطاً بالعلم وتراكمه وتطوره وهو هل بمجرد التطور نُحقق الإنسانية ؟
ما هو المعنى الإنساني في أن يأكل الإنسان بأداة أكل متطورة، وما المعنى الإنساني في أن يصل الإنسان مثلاً من أمريكا إلى الصين في ثانيةٍ واحدة ؟ وما هو المعنى الإنساني أيضاً في أن تكون الجدران مطلية او تكون غير مطلية ؟ وما هو معنى أن يجلس المرء على اريكةٍ مريحة ؟ وهل هذه الأعمال تحدد سعادة الإنسان او شقائه ؟ اليس من الممكن أن يكون الذي يصل لأمريكا من الصين في خمسين يوماً هو اسعد من الذي يصلها في ثانية واحدة ؟ اليس من الممكن أن يكون من يأكل بيده مطمئناً أكثر من الذي يأكل بالأدوات المتطورة؟ وما علاقة السيارة بالسعادة ؟ اليس هناك نماذج بشريّة تركب الطائرات أكثر بؤساً من كثيرين يركبون الحمير والبغال ؟ ولماذا إن كان التطور هو ما يحدد إنسانية الإنسان نرى شعوباً قديمة سعيدة وشعوباً حديثة بائسة ؟
إننا لن نكون إنسانيين حتى لو طرنا كالطيور او تنفسنا في الماء، ولن نكون إنسانيين بمجرد أن نصعد القمر او نغير سكننا من الأرض لكوكب المريخ مثلاً وسيستمر الشر في الإنسان حتى لو تحقق له كل شيء ما دامت خاصيته الأرضية باقية، وما دامت تكمن في فطرته المقدرة على فعل الخيرات وأيضاً فعل كل الشرور.
لذلك كلّه فإن التقدم ليس حلاً نهائياً للإنسان فيمكن أحياناً كثيرة أن يكون الرجوع للوراء أفضل لأن الإنسان أكثر تعقيداً من أن يوضع في قالب هزيل إسمه ( التقدم او التطور ). إنّ إنسانيّة الإنسان كامنة في أخلاقه وقيمه المتجاوزة للزمان والمكان، فالتطور هو المسار الطبيعي للإنسان لكنه ليس المسار الإنساني له، فمسار الإنسان الإنساني كامن في مقدرته الدائمة على تحطيم الحضارة نفسها متى استعلت على أخلاقه فمثلاً ما جدوى الدولة كمؤسسة متطورة عندما تقتل مواطنيها؟ وكل حضارة مهما بلغت من التقدم لا تخضع لهذه الأخلاق فهي ضد الإنسان وضد الإنسانية.
لذلك فإن القراءة لكن بأسم الله هي الضمانة لأستمرار العلم نفسه دون أن يكون العلمُ خصماً على الأخلاق والقيم، فالعلم المجرد لا يدعوا له الإسلام لأنه بذلك يحوّل العالم لغابة كبيرة للصراعات المادية الصرفة وللمصلحة البحتة يقمع فيها القوي الضعيف دون ادنى وازع ويستحوذ فيها المتمكن على خيرات المستضعف، فالإسلام يدعوا للعلم الذي تضبطه لغة السماء التي هي جوهر الإنسان وموطنه الأصلي فالإنسان ليس ابن الأرض وليس ابن العلم إنه ابن السماء، وبالتالي لا ينبغي أن تقيّده حدود الأرض وطبيعيتها بل ينبغي أن يحقق فيها رسالته الربانية التي نزل بها.
أذكر أبياتاً جميلة لشاعر الإسلام محمد إقبال بهذا الصدد في ديوانه جناح جبريل، تحدث فيها إقبال عن أصل الإنسان وعن موطنه الأساسي، وهي من قصيدته المشهورة ( حديث الروح ) يقول فيها:
حديثُ الروح للأرواح يسري
وتدركه القلوب بلاء عناءِ
هتفت به فطار بلا جناح
وشق أنينه صدر الفضاءِ
ومعدنه ترابيُّ ولكن
جرت في لفظه لغةُ السماءِ
ومن هنا فإن القراءة المجردة تقود في نهايتها لنموذج علماني دهراني مادي يفكك إنسانية الإنسان وأصله السماوي المستعلي على خصائص الأرض وماديتها، كذلك فإن ترك القراءة والعلم بأي حجة هي تملّص من دور الإنساني الإستخلافي والسياسي الذي يقتضي النماء والتقدم، وتبقى ( القراءة بأسم الله ) هي اللمسة والصيغة والشفرة الوحيدة المُثلى لتحقيق إنسانية الإنسان ﴿صِبغَةَ اللَّهِ وَمَن أَحسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبغَةً وَنَحنُ لَهُ عابِدونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]